علي بن زيد البيهقي

100

تاريخ بيهق

والحكايات في مدة لا يحفظون بها عشر ذلك من النحو واللغة والفقه والحساب وغير ذلك . فائدة أخرى : إن الإنسان يستفيد في مدة قصيرة من أخبار وحكايات الماضين ، وأحوال وعمران العالم والملوك والممالك ، استفادة لا تتيسر له عن طريق المشاهدة إلا بالأعمار الطويلة ، حتى ليكاد - وهو يتأمل التواريخ والقصص - أن يرى عيانا تلك الوقائع والحوادث ، وتستنشق روحه عبير رياحين تلك القصص والأخبار ، فيفرق بين التزوير والبهتان ، والغش والأسطورة ، فتدفع عنه كدورة الوحشة من منابع الوحدة ، وتزيل ظلمة انقسام الخاطر عن ساحات الراحات : يزيل الاكتئاب وقد يؤدّي * إلى كل امرئ ما غاب عنه وقد رووا أنّ عامر الشّعبيّ - وهو من علماء التابعين رحمة اللّه [ 11 ] عليهم أجمعين - كان جالسا في مسجد مكة يحدث بأخبار مغازي المصطفى عليه السلام ، وقد ازدحم الخلق على الحلقة التي يحدث فيها ، ممتعين الأسماع بحسن الاستماع ، تجللهم آثار الخضوع والخشوع ، وكان من بينهم جماعة من بقايا صحابة رسول اللّه صلوات اللّه عليه ورضي عنهم ، من الذين قسموا أوقاتهم بين العبادات الجسدية والروحية ، وشرفوا ب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ « 1 » ، والذين كانوا أنامل ساعد صاحب الشريعة ، ووابل سحائب صدر النبوة ، وأنجم أفلاك الديانة ، وسهام كنانة الفتوة والمروءة ، قالوا : لقد شاهدنا القوم ، والشّعبيّ أعلم بتلك المغازي منا « 2 » ، أي : إننا قد نلنا سعادة حضور ومشاهدة تلك الغزوات ، ورأيناها رأي العين ، لكن أفكارنا لم تصل إلى وصف هذه الأحوال ، وعيوننا لم تدرك دقائق نور سهيل هذا الفلك ،

--> ( 1 ) سورة المائدة ، الآية 119 . ( 2 ) في تاريخ مدينة السلام ( 14 / 146 ) « مر ابن عمر بالشّعبيّ وهو يقرأ بالمغازي ، فقال ابن عمر كأنه كان شاهدا معنا » .